منتدى ثقافى إسلامى ينافش قضايا الأمة ، وهموم الناس ، وأحوال السياسة ، ومشكلات الشباب بأفكار جادة ورؤى واعية


    الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    شاطر
    avatar
    كلمات من نور
    المدير العام
    المدير العام



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 39
    عدد المساهمات : 3309
    عدد النقاط : 5984
    العمر : 51
    المهنة : أم لأربعة من البنين ووالدهم
    تاريخ التسجيل : 10/03/2010

    .
    1- كيف تتلذذ بالصلاة
    2- صرخة أنثى ملتزمة : بكل بساطةأريد زوجاً بكراً






    يد الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ÙƒÙ„مات من نور في الأربعاء مايو 26, 2010 6:31 pm





    بسم الله الرحمن الرحيم

    الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)



    Uploaded with ImageShack.us


    بقلم: مصطفى كريم

    في يوم من الأيام، فقد الشبل الرضيع أهله من الأسود، وظل هائمًا على وجهه، إلى أن مر به قطيع من الغنم، فسار الشبل معها وصاحبها، وأكل الأعشاب كما تأكل، وكان يرعى الكلأ كما ترعى، إلى أن شب وكبر، ونما وترعرع، لكنه لا يزال يمأمئ كما تمأمئ الغنم، ويأكل كما تأكل، ولم يلفت انتباهه تفوقه عليها قوة وشجاعة.

    وفي ذات صباح، ذهب ليشرب من النهر، فرأى صورته فتعجب، إنها لا تشبه أباه الكبش، ولا أخاه الحمل، ولا أمه النعجة، فصادف فيلًا وسأله: من أنا؟ قال له: أنت أسد وسليل أسود، حينئذ زأر زئيرًا طارت لهوله قلوب الكباش، تلك التي كان يمأمئ معها قبل قليل، ما الذي حدث لهذا الحيوان؟ وما الذي طرأ عليه وما الذي تغير فيه؟ لا شيء سوى أنه اكتشف نفسه، وأبدى قدرته، وكشف الغطاء عن ذاته.

    فأنت ـ أخي الداعية ـ سليل أسود الأمة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وحامي عرين هذا الدين العظيم، تشيد به نهضة لهذه الأمة، حتى تعود إلى مكانها الطبيعي كواسطة عقد الأمم، ولن يكون ذلك إلا برجال يتسلمون الراية من الآباء العظام، لتكمل بها المسير، فتكون فخرًا لأجدادك الأسود يا سليل الأسود.

    على قدر أهل العزم:

    ولكن السفينة لم تصنع لكي تُزين البر، ولكن لكي تمخر عباب البحر، وحين تترك السفينة مكان صناعتها، وتخطو خطواتها في خضم الأمواج، تظهر قوتها، ودقة صناعتها.

    وكذلك أنت ـ أخي الداعية ـ فبعد أن امتلكت قلبًا يطل على أفكاره، عرف كيف يدرك ذاته، وكيف يرسم رؤيته في جوانب الحياة المختلفة، الدعوية والمادية والاجتماعية وكذلك الجوانب التطويرية والمهارية، فأنت بذلك قد صنعت السفينة، ولكن أن تمخر عباب الدعوة إلى الله وتشق أمواجها فلابد من نفس أصبح اللهو تعبها، وبذل الجهد في مرضاة الله ونشر دينه لذتها، فيصير الألم بالنسبة لها أعظم متع الدنيا.

    درب الأسود:

    وها نحن ننتقي لك ـ أخي الداعية ـ من درب أسود هذه الأمة نماذج لنفوس أدركت عظم أمانة هذا الدين، فصارت الوقت والجهد عملة ينفقونها في سوق رائجة، سوق الدعوة إلى الله، فترتد لهم في الدنيا سعادة وهناءً، وتتدخر لهم في الآخرة ـ بتوفيق الله ـ حسنات تثقل الميزان.

    الشبل الرجل:

    فهذا علي بن أبي طالب، ذلك الشبل الرجل ينام في سرير النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، يُعرض نفسه وحياته للخطر، ولكنها لذة البذل في سبيل الله عز وجل ونصرة دينه، ليخرج الرسول صلى الله عليه وسلم آمنا سالمًا؛ فينشر دعوة الحق في أرجاء الأرض.

    ولشقائق الرجال نصيب:

    وتأبي شقائق الرجال إلا أن يضربن بسهم وافر في التضحية، فتخط أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما سطورًا مضيئة من شجاعة نادرة، فها هي تحمل الطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في غار ثور يوم الهجرة، وتعرض نفسها لخطر الوقوع في يد الكفر التي لن ترحم صغر سنها ولا كونها امرأة.

    شاب في الثمانين:

    وإليك شاب في الثمانين من عمره، فهو شيخ بعدد سنين حياته، ولكن روحه الباذلة في سبيل الله شابة إلى أبعد الحدود، إنه يوسف بن تشفين الذي قاد وهو في ذلك العمر جيشًا جرارًا لإنقاذ الخلافة الإسلامية في الأندلس بعد أن أرسل أُمراؤها رسالة استغاثة واحدة، قالوا فيها:

    (ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصـرة جاره ولا أخيه، ولو شاءوا لفعلوا إلا أن الهواء والماء منعهم من ذلك، وقد ساءت الأحوال، وانقطعت الآمال، وأنت أيَّدك الله سيد حمير، ومليكها الأكبر، وأميرها وزعيمها، نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك، واستغثت بحرمكم لتجوز بجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولكم عند الله الثواب الكريم، على حـضرتكم السامية السلام ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

    فكان عبور القفار لذة، وخوض البحار متعة، فما وهنت همته ولا كلَّت عزيمته.

    ورقة في كتاب التضحية:

    وتأمل ـ أخي الداعية ـ في ذلك النموذج الفذ، أبى إلا أن يبذل في سبيل الله، إنه ورقة بن نوفل، ذلك الحنيفي الذي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها يوم أن نزلت رسالة الإسلام.

    فماذا كان جواب ورقة: (يا ليتنى فيها جذعًا، يا ليتنى أكون حيًّا حين يخرجك قومك)، إنه يأسف أن لم يكن شابًا جذعًا ليبذل، ويصنع مجد الإسلام العظيم.

    دموع ذهبية:

    وإليك جماعة مؤمنة، ساقتهم قلوبهم قبل أقدامهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك، ليجد لهم جياد تنقلهم للجهاد في سبيل الله، فلم يجد عليه الصلاة والسلام لهم شيئًا يحملهم والسفر طويل والزاد قليل، فتفيض العيون بالدمع؛ لأن أنفسهم ستفتقد لذة البذل في سبيل الله.

    فيُنبئنا الله بخبرهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة فيقول: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92].

    أنها النفس التي لهوها التعب، وهذه هي الروح التي ينتصر بها الإسلام، كما يقول صاحب الظلال: (بمثل هذه الروح انتصر الإسلام، وبمثل هذه الروح عزَّت كلمته، فلننظر أين نحن من هؤلاء، ولننظر أين روحنا من تلك العصبة، ثم لنطلب النصر والعزة إن استشعرنا من أنفسنا بعض هذه المشاعر).

    الفاروق يصف الطريق:

    ولكن ما هي معالم الطريق للحاق بهؤلاء؟ ومن أين تكون البداية؟

    يأتي الفاروق رضي الله عنه ليصف لنا الطريق في موقف إيماني تربوي عظيم، يجمعه مع النبي صلى الله عليه، فبينما يسير عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم آخذًا بيده، تفيض مشاعر عمر رضي الله عنه ليهتف بها لسانه : (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسـي)، فيأتي الرد من المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك).

    ويطبق الصمت على المشهد للحظات، فلا يقطعه سوى كلمات صادقة من الفاروق رضي الله عنه، قائلًا: (فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي)، فيقول صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) [رواه البخاري].

    فما سر ذلك التحول، وكيف كان قرار عمر سريعًا؟

    إنه التغيير النابع من داخل عمر رضي الله عنه، من باطنه وقلبه وأعماقه، لذا؛ لم يحتج إلى وقت طويل، ولا تفكير مديد؛ لأنه تربى على تلك القاعدة الربانية والسنة الإلهية: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11].

    فالله عز وجل (لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزًا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون.

    وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشـر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم).

    فالسماء لا تمطر تلك النفسة الأبية، والروح المتقدة للبذل لهذا الدين، إنما هي الأوقات تبذل، والعرق يتصبب، والمال ينفق، والدمع يذرف، وقبل كل ذلك، يد ترتفع إلى الله ترجو توفيقه وسداده.

    الحواجز الوهمية:

    ولكن لن يكون الطريق إلى تلك النفس سهلًا ممهدًا، فبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، ولذا سيقف في طريقك ـ أخي الداعية ـ حواجز نفسية يسقط عندها البعض، ولكنها ستكون في حقك ـ إن شاء الله ـ حواجز وهمية، وفي الحلقة القادمة من تلك السلسلة "نفس لهوها التعب" سنعرف كيف نتخلص من عقبات السير في طريق البذل لدين الله عز وجل؟

    نشيد النفس الأبية:

    وأثناء المسير في تلك السلسلة ، اجعل نشيدك هذه الأبيات الرائعة تشدو بها وتحدو:

    هذا الرقيـق تـراه عـند الـروع في قـلب الأسـود

    متـبـسماً والـدهـر غضبـان يـزمجـر بـالوعيـد

    فـإذا رمـاه بالخـطـوب رمـاه بالعــزم الجـليـد

    وإذا دعتـه الواجـبـات... فحـمـلتـه بـما يـئـود

    وجـدتـه صلب المنـكبـيـن فـلا يـخر ولا يـميـد

    أهم المراجع:

    1. قوة المبادرة، محمد أحمد العطار.
    2. بواعث السعادة، د.خالد الدسوقي.
    3. في ظلال القرآن، سيد قطب.
    4. دولة المرابطين في المغرب والأندلس، د.سعدون عباس.
    5. السيرة النبوية، ابن كثير.
    --


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
    يا نــور علـــى نـــور
    اجعل في قلبي نـــور
    اجعل في سمعي نـــور
    اجعل في عيني نـــور
    اجعل كلامي نــور
    واحميني من نفـــــسي...

    http://mamanooor.blogspot.com
    avatar
    ساهر الليل
    أصدقاء الموقع
    أصدقاء الموقع



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 89
    عدد المساهمات : 87
    عدد النقاط : 123
    تاريخ التسجيل : 01/05/2010



    يد رد: الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ساهر الليل في الخميس مايو 27, 2010 3:35 pm

    بارك الله فيك
    موضوع المقال هام جدا وفيه دروس عظيمة الفائدة
    avatar
    كلمات من نور
    المدير العام
    المدير العام



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 39
    عدد المساهمات : 3309
    عدد النقاط : 5984
    العمر : 51
    المهنة : أم لأربعة من البنين ووالدهم
    تاريخ التسجيل : 10/03/2010

    .
    1- كيف تتلذذ بالصلاة
    2- صرخة أنثى ملتزمة : بكل بساطةأريد زوجاً بكراً






    يد رد: الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ÙƒÙ„مات من نور في الخميس مايو 27, 2010 3:40 pm

    الحمدلله أنه أعجبك أخي ساهر ......يارب دايما نعمل للإفادة
    avatar
    كلمات من نور
    المدير العام
    المدير العام



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 39
    عدد المساهمات : 3309
    عدد النقاط : 5984
    العمر : 51
    المهنة : أم لأربعة من البنين ووالدهم
    تاريخ التسجيل : 10/03/2010

    .
    1- كيف تتلذذ بالصلاة
    2- صرخة أنثى ملتزمة : بكل بساطةأريد زوجاً بكراً






    يد رد: الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ÙƒÙ„مات من نور في الخميس يونيو 03, 2010 2:35 pm




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (2)

    بقلم: مصطفى كريم

    يقول أحد الدعاة إلى الله: اتصلت بي إحدى الأخوات تطلب عناوين للمراسلة الدعوية، وكانت باستمرار تطلب مني كميات كثيرة من الكتب والمطويات وبعدد من اللغات، كان يَصلُني منها كل أسبوع عشرات الرسائل مجهزة للإرسال، يقول: تعجبت من همَّتها، واستمرارها وعدم انقطاعها من هذا العمل لسنوات.

    يقول: ومع الأيام اكتشفتُ أمرًا عجيبًا، اكتشفتُ أن هذه المرأة صاحبة الهمَّة والنشاط امرأة بدون أطراف، ولا تستطيع أن تتحرك، فهي تُحْمل وتُنزَّل من على سريرها، وذلك من آثار حادث حريق تعرضت له، وإذا بها قد استقدمت خادمتين، فأحسنت تعليمهما على هذا المشروع، وبتوجيهاتها من على فراشها وسريرها، تنطلق مئات الرسائل لكل مكان في العالم في الشهر.

    كانت تشعر بالسـرور وهي تقرأ الردود بالتأثر والهداية بعد الضلال، فماذا لو علم أصحاب الردود أن سبب إنقاذهم ودلالتهم على الخير وهدايتهم؛ هي امرأة مُقعدة لا تستطيع نفعًا حتى لنفسها؟!

    فانظر إلى تلك المرأة الصالحة، التي لا تعرف معنى المستحيل في طريقها إلى النفس الأبية، تلك النفس التي تلهو بالتعب والكد في سبيل الله، فلم تخضع للعقبات، ولم تستجب للمعوقات.

    حتميات خادعة:

    وما أن تخطو خطوتك الأولى نحو "نفس لهوها التعب"، حتى تعترض طريقك حتميات ما أنزل الله بها من سلطان، تحاول أن تطفئ جذوة الحماسة، وتثبط من روح التحدي لديك.

    ولكنك من أصحاب النفس الأبية ـ وهذا عهدي بك ـ، ولذا فإنك ستجتاز هذه الحتميات الوهمية ولن تقع في شراكها إن شاء الله.

    1. إنا وجدنا آباءنا على أمة:
    وتقضي تلك الحتمية بأن أجدادنا هم المسئولون عما وصلنا إليه، فقوانين الوراثة هي السبب، فقد يكون أحدهم ذو مزاج متقلب وسريع الغضب، ويعلل ذلك بأن طبيعة عائلتي هي السبب في تلك العصبية التي تنتابني، لقد كان أجدادي من ذوي الطباع الحادة، وهو ما يظهر في تحليل سائل الـ DNA الخاص بي، وانتقل ذلك لي عبر أجدادي من جيل إلى جيل.
    وكأن لسان حال هؤلاء يقول: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 23-24].
    ولا ريب في أن هذه حتمية خادعة لا أساس لها من الصحة، والدليل في قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله عنه، فقد كان صحابيًّا جليلًا دافح عن الإسلام وبذل في سبيله الغالي والنفيس، بخلاف والده عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في المدينة، وهو الذي حكى القرآن مقالته: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
    فلم تكن قوانين الوراثة قيدًا يُجبر الصحابي عبد الله على أن يكون مثل أبيه في النفاق، بل كان على النقيض تمامًا.
    2. هكذا تربينا .. هكذا تعلمنا:
    وبموجب هذه الحتمية؛ فإن التربية هي المسئولة عما نحن عليه الآن، فتجارب الصبا والطفولة تركت آثارًا في شخصيتنا وتوجهاتنا لا يمكن محوها.
    ولا يمكن لعاقل أن ينكر أثر التربية، خاصة تأثير الوالدين والمعلمين، ولكن هل علمت خبر الوليد وأبي حذيفة، ابني عتبة بن ربيعة؟!
    إنهما رجلان ولدا في نفس البيت، لنفس الأب، ورضعا من نفس المعين التربوي، كان أبوهما عتبة بن ربيعة كافرًا، ومات على كفره يوم بدر، وفي نفس المعركة، كان أحدهما وهو أبو حذيفة في معسكر الإيمان، بينما أخوه الآخر الوليد في معسكر الكفر.
    فهل حالت التربية أن تجعل أبا حذيفة من صحابة النبي رضي الله عنه وأبوه رأس من رؤوس الكفر في قومه ومحارب شرس للإسلام والمسلمين؟! بل هل وقفت تلك التربية عائقًا أمام مفارقة أبي حذيفة الدنيا شهيدًا في سبيل الله مضحيًا بنفسه في سبيل الإسلام يوم اليمامة؟!
    3. التلوث البيئي:
    وهي تخبرك بأن البيئة المحيطة بك هي السبب في وضعك الحالي، وكما يقول بعض الناس اليوم: انظر إلى الواقع والمجتمع المحيط، بطالة وتدني مستوى المعيشة، وضعف الإنتاج، والتخلف العلمي والثقافي، والبيئة السلبية التي تقف أمام كل نفس أبية.
    وأنا أتفق مع صاحبنا في كلامه عن الواقع المرير، ولكن هل سنقف مكتوفي الأيدي إزاء هذا الواقع؟ فلو كان الأمر كذلك، ما تمكنا من استخدام المصباح الكهربائي مثلًا، فإن مخترع المصباح الكهربي، توماس إيديسون وبعد أربعة أشهر في المدرسة، أعلن مدرسه أنه طفل غير طبيعي، متأخر ومتبلد الذهن لا يصلح للدراسة، فهل استجاب إيديسون لكلام مدرسه السلبي؟ لو فعل لما سمع العالم بتوماس إيديسون.
    الإسلام يدحض تلك الحتميات:

    والإسلام يدحض تلك التحتميات التي تضعف من قدرات الإنسان، وتجعله أسيرًا لا حرًا، فالله عز وجل قد جعل المسلم حرًا إلا من العبودية لله، ولم يجعل مقيدًا بقيود تضعه موضع الحيوان الذي لا يستطيع التحكم في تصرفاته وردود أفعاله، فيأتي القرآن واضحًا في دحض هذه الشبهات، ويقر مبدأ أن الإنسان له القدرة على الاختيار بين الخير والشر والصالح والفاسد، وله الإرادة في سلوك أي الطريقين طريق الخير وطريق الشر، ونتيجة لهذه الاختيارات سيكون حسابه يوم القيامة .

    فقد منح الله عز وجل لكل إنسان الوعي الكامل والقدرة على الاستجابة للتذكير، فقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19]، ثم منح الإنسان حق الانتفاع بالذكرى فيستقيم على كل حق وعدل، فقال: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28].

    وكونك مسلم فأنت تعلم أنك ستقف يوم القيامة أمام الله وحدك، وستُسأل عن اختيارك أنت، ولا يُسأل أحد سواك ولن يتحمل أحد مسئولية قراراتك، بل أنت وحدك الذي تتحمله قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، إنها فردية التكليف التي جاء بها الإسلام؛ ليعلن للبشرية جميعًا أنه لا سبيل للنجاة في الآخرة إلا بالإيجابية والقدرة على الاختيار الصحيح للأفعال .

    جنة شيخ الإسلام:

    ولنقلب صفحات تاريخ لنرى فيها أنموذجًا واقعيًّا يجسد هذه الحقيقة بصورة أعظم وأشمل، إنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لقد سطر ذلك العملاق الفذ كلمات من نور، ترسخت في وجدانه فأضحت حريته وسعادته نابعة من داخله وصارت جنته بين ضلوعه، فبعد أن كان يلتف حول حلقته مئات الآلاف في جوامع الشام ومصر، يجد نفسه مرة واحدة في قلعة الشام سجينًا، يتعرض لصنوف الإيذاء والامتهان.

    إنه موقف قد يصيب أي إنسان بإحباط ويأس وقنوط، ولكن أنى للحر أن تتسلل تلك المشاعر إلى نفسه أو أن تتمكن منه، فما كان منه إلا أن صاغ تلك الكلمات الخالدة التي خرجت من أعماق قناعاته: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة).

    حواجز وهمية:

    وصاحب النفس الأبية يُوقن تمام اليقين أن عقبات الحياة ومعوقاتها ما هي إلا حواجز وهمية يصنعها الإنسان في مخيلته فقط، ولا وجود لها إن استجلب توفيق الله وشمَّر عن ساعد الجد، فكما يقول براين ترايسي: (لا توجد حدود لما يمكنك إنجازه بحياتك، سوى العوائق التي تفرضها على عقلك).

    ولكن ما هي تلك العقبات التي تقف في طريق النفس الأبية، وكيف لهذه النفس أن تجتاز تلك العقبات؟ هذا ما سنتناوله بإذن الله في الحلقات القادمة من سلسلة "نفس لهوها التعب".

    أهم المراجع:

    1. العادات السبع للناس الأكثر فاعلية، ستيفن كوفي.
    2. قوة المبادرة، محمد أحمد العطار.
    3. الكتيب الشامل عن الإنجاز الشخصي، براين ترايسي.
    4. محاضرة بعنوان الرجل الألف، إبراهيم الدويش.
    5. ذيل طبقات الحنابة، ابن رجب.
    avatar
    كلمات من نور
    المدير العام
    المدير العام



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 39
    عدد المساهمات : 3309
    عدد النقاط : 5984
    العمر : 51
    المهنة : أم لأربعة من البنين ووالدهم
    تاريخ التسجيل : 10/03/2010

    .
    1- كيف تتلذذ بالصلاة
    2- صرخة أنثى ملتزمة : بكل بساطةأريد زوجاً بكراً






    يد رد: الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ÙƒÙ„مات من نور في الخميس يونيو 03, 2010 2:36 pm





    الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (3)

    بقلم: فريد مناع

    في الأربعينيات من القرن الماضي، دار مخترع صغير اسمه تشيستر كارلسون بفكرته المبتكرة على عشرين شركة مختلفة، كان من بينها بعض كبريات الشركات في البلاد، ولكن كل هذه الشركات خذلته.

    وفي عام 1947م، وبعد سبع سنوات طوال من الرفض، نجح تشيستر أخيرًا في الاتفاق مع شركة صغيرة في حي روتشيستر بمدينة نيويورك، وكانت هذه الشركة تسمى هالويد، واتفق معها تشيستر على شراء حق تصنيع عملية تصوير المستندات إلكتروستاتيكيًّا، والتي كان قد ابتكرها، وأصبحت شركة هالويد فيما بعد مؤسسة زيروكس([1]).

    فلو خاف تشيستر من الفشل، ذاك العدو اللدود للنجاح، لما تمكن من النجاح أبدًا، فالفشل هو العقبة الكئود التي تعترض طريق الإيجابية.

    وإن كانت تلك هي نفسية رجل يسعى في أمر من أمور الدنيا، رجل لا توقفه العقبات ولا ترهبه التحديات، فكيف بك ـ عزيزي الداعية ـ وأنت تسعى في سبيل الدعوة إلى الله؟!

    حول الفشل إلى نجاح:

    وقد يكون خوف الداعية من عدم قبول الناس لما يدعو إليه أحد أكثر العقبات المعيقة عن الوصول إلى تلك النفس التي تتلذذ بالتعب ولا ترضى بسواه متعة للحياة.

    ولكن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يصف لنا طريق التعامل الصحيح مع الفشل، ففي يوم من الأيام، أرسل قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رسولًا إلى كسرى يعرض عليه الإسلام أو الجزية أو الحرب، فماذا كان جواب كسرى على سعد رضي الله عنه؟ لقد حمَّل رسول المسلمين عمرو بن معديكرب مكتلًا فيه تراب، فقال: (خذوا هذا، فليس لكم عندي غيره)، فبسط عمرو بن معديكرب رداءه فأخذه وخرجوا، فقال له أصحابه: (أخذت ترابًا) ([2]).

    فكانت رؤية كثير من المسلمين أن مهمة عمرو فشلت، ولكن انظر كيف يحول سعد رضي الله عنه الفشل إلى نجاح؟ فلما قدم على سعد استبشر بذلك وقال: (قد ظفرنا والله بهم، ووطئنا أرضهم) ([3])، يعني أن ذلك التراب فأل حسن بأنهم كما أخذوا شيئًا من التراب فسيمكلون التراب كله أي مدن وديار الفرس، فحوَّل ما ظنَّه الجميع فشلًا إلى نجاح باهر.

    حتى تحول الرمال إلى ذهب:

    وحتى تحول رمال الفشل إلى ذهب النجاح، فلابد من عصا سحرية لذلك، ولذا عليك بجملة أمور من أهمها ما يلي:

    1. العصا الأولى: يقين جازم:
    إنه ذلك اليقين الذي يعلمنا النبي صلي الله عليه وسلم إياه، حين يقول: (وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك) ([4]).
    2. العصا الثانية: استخارة واستشارة:
    فإن استعصى عليك شيء، فاستشر غيرك، واستخر ربك، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار.
    3. العصا الثالثة: توكل على الله:
    فإن الله عز وجل قادر على أن يحيل فشلك نجاحًا، فالنبي صلي الله عليه وسلم يبشرك بقوله: (لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) ([5]).
    4. العصا الرابعة: لعلَّه خير:
    ثق دائمًا أن ما بذلت من الأسباب، سيجازيك الله به، وأن ما قدر الله لك، هو الخير لا محالة، فالله عز وجل يقول: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسي أن تكرهوا شيئًًًا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [البقرة: ٢١٦].
    الوجه الآخر للعملة:

    وحتى تتعامل مع الفشل بطريقة صحيحة فتعود أن تنظر إلى نصف الكوب الممتلئ، لتعرف أن الفشل هو الوجه الآخر لعملة النجاح، وهذا بالتحديد ما يعنيه كريسي ويتينج مقدم برنامج سجل النجاح، البرنامج الأشهر بين برامج الإذاعات الأمريكية، حين يقول: (إن الفشل هو السبيل الوحيد للنجاح، والمثل المعروف (وراء كل عظيم امرأة) ينبغي تعديله، بحيث يصبح وراء كل عظيمٍ سجلٌ طويلٌ من التجارب الفاشلة صنع له النجاح في النهاية)([6]).

    فقد آن الأوان لكي تنظر إلى الفشل باعتباره مجرد حدثٍ عابر، لا ينبغي التوقف عنده إلا بما يكفي للتعلم، وأخذ الخبرة منه، وتذكر دائمًا الحكمة التي تقول: (الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك).

    ابحث عنها.

    وأعلى من نظرتنا للفشل أنه خطوة نحو النجاح، أن نبحث بين ركام الفشل عن تلك الرسالة الربانية التي أودعها الله في ذلك الحدث، والآن أخي المؤمن، هل بحثت عن الرسالة الربانية وراء هذه المشكلة، أو التحدي الذي أنت الآن بصدده؟

    اسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يريده الله مني في هذا الموقف؟ ما الذي يريد أن يُعلِّمني إياه من وراء هذه المشكلة؟ وتأكد أخي المؤمن أنك إذا أجبت الإجابة الصحيحة؛ سيتغير الحال بإذن الله على الفور؛ لأنك بذلك تكون قد تلقيت الرسالة الربانية بنجاح.

    النبي صلى الله عليه وسلم والرسالة الربانية:

    وتأمل موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الطائف، يوم أن دعا أهلها فلم يستجيبوا، ولم يكتفوا بجرم التكذيب والإعراض، بل زادوا عليه بجرم السخرية والإيذاء، فأغروا به سفهاءهم وأطفالهم فجعلوا يقذفونه صلى الله عليه وسلم بالحجارة، وكأني ألمح النبي صلى الله عليه وسلم ودماء تنزف من قدمه، ودموع الحزن تملؤ مقلتيه على نفوس أفلتت منه إلى النار.

    وفي خضم هذا المشهد الأليم العصيب يعلمنا صلى الله عليه وسلم كيف تبحث عن الرسالة الربانية، فيدعو قائلًا: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس،أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري،إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي،غير أن عافيتك أوسع لي،أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك،لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله) [رواه الطبراني].

    غير من نظرتك للفشل أو المشكلات:

    فانظر أخي المؤمن إلى فريقين، كلاهما تَّعرض لفقد بصره، ولكن رد الفعل قد اختلف من فريق لآخر، فهذا الفريق الأول، يمثله الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، لما أصابه العمى طفق ينشد قائلًا:

    إن يأخذ الله مـن عيني نورهــا ففـي لسـاني وقلبـي منهمـا نــور

    قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مسلول([7])

    أما الفريق الثاني فيمثله الشاعر صالح بن عبد القدوس، والذي أنشد بعد أن ذهب بصره فقال:

    على الدنيا الســلام فما لشيـخٍ ضرير العين في الدنيا نصيب

    يمــوت المــرء وهـو يعـد حيًّا ويخلف ظنه الأمـل الكذوب

    إذا ما مات بعضك فابك بعضًا فإن البعض من بعض قريـب([8])

    نصيحة رائعة.

    وقبل الختام، إليك هذه النصيحة الرائعة التي يصوغها لنا الشيخ عائض القرني في كتابه لا تحزن فيقول: (إذا داهمتك داهيةً فانظر في الجانب المشرق منها، وإذا ناولك أحدهم كوب ليمون، فأضف إليه حفنة من السكر، وإذا أهدي لك ثعبانًا، فخذ جلده الثمين واترك باقيه، وإذا لدغتك عقرب، فاعلم أنه مصلٌ واقٍ ومناعةٍ حصينةٍ ضد سم الحيات)([9]).

    ماذا بعد الكلام؟

    1. ابحث عن الرسالة الربانية وراء أي مشكلة تواجهك.
    2. اصنع ملفًا للدروس المستفادة والخبرات المتكونة من تحديات الحياة.
    3. امحُ من ذاكرتك كلمة الفرار من التحديات خشية الفشل.
    4. صاحب الناجحين المتميزين، وتعلم من صفاتهم، ولا تجعل من حولك من يثبط من همتك أو يضعف من عزيمتك.
    أهم المراجع:
    1. النجاح للمبتدئين، زيج زيجلار
    2. البدء والتاريخ، ابن المطهر
    3. تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي
    4. حتى لا تفشل، أحمد سالم بادويلان.
    5. أسد الغابة، ابن الأثير.
    6. ربيع الأبرار، الزمخشري.
    7. لا تحزن، د.عائض القرني.

    ([1]) النجاح للمبتدئين، زيج زيجلار، ص(185).
    ([2]) البدء والتاريخ، ابن المطهر، (1/309).
    ([3]) تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، (1/162).
    ([4]) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، (4701)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (4699).
    ([5])رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، (2515)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2344).
    ([6]) حتى لا تفشل، أحمد سالم بادويلان، ص(19).
    ([7]) أسد الغابة، ابن الأثير، (2/131).
    ([8]) ربيع الأبرار، الزمخشري، ص (1/413).
    ([9]) لا تحزن، د.عائض القرني، ص(27).
    avatar
    كلمات من نور
    المدير العام
    المدير العام



    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 39
    عدد المساهمات : 3309
    عدد النقاط : 5984
    العمر : 51
    المهنة : أم لأربعة من البنين ووالدهم
    تاريخ التسجيل : 10/03/2010

    .
    1- كيف تتلذذ بالصلاة
    2- صرخة أنثى ملتزمة : بكل بساطةأريد زوجاً بكراً






    يد رد: الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (1)

    مُساهمة من طرف ÙƒÙ„مات من نور في الخميس يونيو 03, 2010 2:38 pm




    الداعية وإدارة الذات ... نفس لهوها التعب (4)

    بقلم: فريد مناع

    ليست الهمة المتعلقة بمعالي الأمور شعلة تضئ درب النجاح والتميز، بل هي همة لا تحدها الأرض باتساعها، ولا السماء بامتدادها، فهي ناطحة تزاحم السحاب في السماء بحثًا لها عن موضع قدم.

    تمامًا كما كان ذلك القائد الداهية أبو مسلم الخراساني، الذي أسقط دولة بني أمية ووطَّد أركان الدولة العباسية، كانت له طموحات عظيمة تدفعه إليها همته العالية، حتى أنه عندما كان صغيرًا كانت أمه تراه يتقلب على فراشه فتقول له: (أي بني ما بك؟)، فيقول: (همة يا أمي تناطح الجبال).

    ومعالي الأمور لا يقدر عليها إلا من رزقه الله علو الهمة، تلك الهمة التي يصفها الصحابي الجليل علي بن أبي طالب t فيقول: (علو الهمة من الإيمان).

    وها هو الجنيد رحمه الله يسير على خطى أمير المؤمنين علي t فيصف لنا طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، ويجلي مراحله، ويرسم صورة القائد لهذا الطريق وتلك المراحل، فينصحنا قائلًا: (عليكم بحفظ الهمة؛ فإن حفظ الهمة مقدمة الأشياء).

    شعلة لا تنطفئ:

    بل إن الهمة في طلب معالي الأمور والترفع عن سفاسفها لهي الشعلة التي لا تنطفئ، فكما يقول ابن قتيبة: (ذو الهمة إن حطَّ فنفسه تأبى إلا علوًّا، كالشُّعلة من النار يصوِّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعًا)، فالهمة العالية والسعي في معالي الأمور هي القادرة على جعل طاقة الإنسان كتلك الشعلة، تأبى إلا أن تشرئب إلى عظائم الأمور، وتتشبث بكرام الأخلاق.



    ليست كنزًا على الدوام:

    كثير من المسلمين تقعد بهم هممهم ويقصـر طموحهم عن طلب معالي الأمور ومَثَلُهم في الحياة: (القناعة كنز لا يفنى)!

    ومع اعتقادنا بأن الطمع والجشع خلقان ذميمان ولا شك، إلا أن علو الهمة في طلب الكمال وقوة العزيمة في تحقيق الأهداف من أهم أخلاق المؤمن الصادق، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

    (من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:

    ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام

    فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض).

    علامات على الطريق:

    ولكن لصاحب الهمة التواقة إلى معالي الأمور صفات وعلامات تُؤثَر عنه ويعرف بها، فتعالوا نتعرف عليها:

    1. شعاره: قول الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: ١٣٣]، فقد عرف أن دين الإسلام (لا يقبل من أتباعه الكسل والخمول، والعجز والسكون، والفتور والتأني، والاسترخاء وضعف الهمة).
    فهو كما يصفه ابن القيم: (كلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل، وعدها قرب التلاقي، وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحًا وهمة).
    2. هواياته: أن يتعب نفسه في نقل عظيم المقال، واكتساب كريم الخلال، والمسارعة في حميد الأفعال، فيصبح التعب لَهوُ هذه النفس وهوايتها المحببة، قدوته في ذلك زيد بن ثابت t حين رشحه أبو بكر t لجمع القرآن، فقام بأداء ما طلب منه، مع أنه قال: (فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به) [رواه البخاري]، وأدى ما عليه من غير توانٍ ولا كسل.
    3. عدوه: التأخير والتسويف، ولعل ذلك أشد ما آلم قلب كعب بن مالك t لما فاته الغزو مع النبي r، وهو يحكي عن ذلك فيقول: (فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله r والمسلمون معه ولم أقضِ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين... فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت...) [رواه البخاري].
    فتأمل قوله (وليتني فعلت)، فهي كلمات من صاحب همة عالية، تقطر بالندم على فوات ذلك المشهد العظيم؛ نتيجة التسويف.
    منارت الهمة العالية:

    ولنا على مدار الزمان منارات تضئ الطريق لكل صاحب همة، فيقتفي أثرها ويسير على هديها، ويقتدي بها:

    1. همة لا تبخل بالدارهم: إنها همة الصديق أبو بكر t، يوم جاء إلى رسول الله r بماله كله يوم العسرة، فيسأله سيد الخلق r: (يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟)، فأجابت همته قبل لسانه: (أبقيت لهم الله ورسوله) [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
    2. همة لا تعرف النوم: ولأن كان المرء على دين خليله، فها هي المنارة الثانية، بطلها خليل لبطل المنارة الأولى، إنه عمر بن الخطاب t، ذو الهمة التي تأبى أن تدع النوم يعرف طريقًا إليها، فكثيرًا ما كان يُرى عليه أثر التعب والتثاؤب من قلة النوم، حتى يقال له: ألا تنام؟ فيقول: (إن نمت بالنهار ضيعت رعيتي، وإن نمت بالليل ضيعت حظي من ربي، فكيف بالنوم بين هذين؟!).
    3. همة طِبَّية: إنه محمد بن زكريا الرازي، تلك المنارة التي سبقت العلم الحديث في إنارة العلم بكشوفه ومؤلفاته، فكان باحثًا علميًّا، فهو أول مبتكر لخيوط الجراحة الطبية، كما كان معلمًا يدرس الكتب الطبية، ويلقي المحاضرات ويعلم الطلبة فيما يشبه كليات الطب الآن.
    ولم يكتفي الرازي بالتدريس والتعليم فقط، بل دوَّن ما توصل إليه في كتب عديدة، أحصاها ابن النديم في 113 كتابًا و28 رسالة، وهذا عدد هائل خاصة أنها جميعًا في مجال الطب.
    وماذا بعد الكلام؟

    وإليك ـ عزيزي القارئ ـ بعضًا من الواجبات العملية، ومن أهم تلك الواجبات ما يلي:

    1. اقرأ في سير أصحاب الهمم العالية، والطموحات الكبير، واجعل بجوارك قلمًا وورقة، واكتب أهم الأمور التي تحب أن تقتدي بهم فيها.
    2. ضع لنفسك أهدافًا طموحة في دراستك أو عملك، كأن تحصل على نسبة 95% في امتحانات العام الحالي أن كنت طالبًا، أو أن تنجز المهام الموكلة إليك في عملك خلال الأسبوع القادم كلها بكفاءة عالية.
    3. تمرين الهمة العالية:
    أ‌. سجِّل أربعة أفعال يجب عليك اتخاذها، وكنت تؤجلها دائمًا من قبل كإنقاص الوزن، أوالمحافظة على صلاة الفجر، أوترك معصية كنت مصرًا عليها كالتدخين مثلًا، أوفعل شيء إيجابي كتعلم لغة جديدة مثلًا.
    ب‌. سجِّل تحت كل من هذه الأفعال الإجابة علي الأسئلة الآتية:
    · لماذا لم تتخذ الإجراء المناسب من قبل بشكل فعال وسريع؟
    · ما هو الألم الذي كنت تربطه في الماضي باتخاذ هذه الإجراءات؟
    الإجابة علي هذه الأسئلة ستساعدك لتدرك بأن ما منعك من القيام بهذا الفعل هو أنك ربطت بينه وبين
    التعرض لألم أكبر إذا قمت بهذا الفعل.
    ت‌. سجِّل المتع التي استمتعت بها في الماضي نتيجة للانغماس في هذا الموقف السلبي.
    · كنت أتمتع بأكل أي شيء كنت أتمناه.
    · يصبح نومي متواصلًا فلا أقطعه بالقيام لصلاة الفجر.
    · أشعر بهدوء أعصابي كلما تناولت سيجارة.
    ث‌. سجِّل الثمن الذي سيكون عليك أن تدفعه إن لم تحدث هذه التغيرات الآن:
    · سوف يتسبب الوزن الزائد في إصابتي بكثير من الأمراض.
    · التدخين قد يؤدي لإصابتي بالسرطان.
    · ترك صلاة الفجر سيكون سبب في غضب الله وعذابه لي يوم القيامة.
    ج‌. سجِّل كل المتع التي ستنعم بها بعد قيامك بكل هذه الأفعال اعتبارًا من هذه اللحظة:
    · أشعر بالراحة النفسية عندما أحقق ما كنت أسعى إليه.
    · أشعر بالقوة بامتلاكي للإرادة القوية.
    أهم المراجع:
    1. مرقاة المفاتيح شرح المفاتيح.
    2. حلية الأولياء، أبو نعيم.
    3. عيون الأخبار، ابن قتيبة.
    4. صيد الخاطر، ابن الجوزي.
    5. هذه أخلاقنا حين نكون مسلمين حقًّا، محمد الخازندار.
    6. طريق الهجرتين ودار السعادتين، ابن القيم.
    7. الزهد، الإمام أحمد.
    8. الموجز لما أضافه العرب في الطب، محمود الحاج قاسم محمد.
    9. الصناعة الطبية، سامي حمارنة.
    10. الفهرست، ابن النديم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 12:54 pm