منتدى ثقافى إسلامى ينافش قضايا الأمة ، وهموم الناس ، وأحوال السياسة ، ومشكلات الشباب بأفكار جادة ورؤى واعية


    {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}

    شاطر

    حامل المسك
    .
    .

    مشرف قسم الطب والصحة

    الدولة : مصر
    رقم العضوية: : 103
    عدد المساهمات : 113
    عدد النقاط : 322
    العمر : 37
    المهنة : طبيب اسنان
    تاريخ التسجيل : 24/05/2010

    .
    كيف أصبح رجلاً ؟



    default {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}

    مُساهمة من طرف حامل المسك في السبت أغسطس 28, 2010 2:34 am

    فائدة جليلة)

    {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}



    قوله تعالى:{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} البقرة 216,

    وقوله عزّ وجلّ:{ فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} النساء 19.

    فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية خشية على نفسه منه, والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية.



    فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه, وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده, ويجب الموادعة والمتاركة, وهذا المحبوب شر له في معاشه ومعاده.



    وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها وله في امساكها خير كثير لا يعرفه. ويحب المرأة لوصف من أوصافها وله في امساكها شر كثير لا يعرفه. فالانسان كما وصفه به خالقه ظلوم جهول, فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضرّه وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه, بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه.



    فأنفع الأشياء له على الاطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه, وأضر الأشياء عليه على الاطلاق معصيته بظاهره وباطنه, فاذا قام بطاعته وعبوديته مخلصا له فكل ما يجري عليه مما يكره يكون خيرا له, واذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له. فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته, علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التيلا يحصيحا علمه وفكره, بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب.



    فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها, كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها. فانظر الى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقي والاصلاح حتى أثمرت أشجارها, فأقبل عليها يفصل أوصالها ويقطع أغصانها لعلمه أنها لو خليّت على حالها لم تطب ثمرتها, فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة, حتى اذا اتحدت بها والتحمت وأعطت ثمرتها أقبل يقلمها ويقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها, ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها, لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت, بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا, ولا يترك عليها الماء دائما وان كان ذلك أنضر لورقها وأسرع لنباتها. ثم يعمد الى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق فيلقي عنها كثيرا منها, لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد, ويلقي عنها كثيرا من زينتها, وذلك عين مصلحتها. فلو أنها ذات تمييز وادراك كالحيوان, لتوهمت أن ذلك افساد لها واضرار بها, وانما هو عين مصلحتها.



    وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته, اذا رأى مصلحته في اخراج الدم الفاسد عنه, بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألم الشديد. وان رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه (أي قطعه), كل ذلك رحمة به وشفقة عليه. وان رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه, لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب الى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيرا من شهواته حمية له ومصلحة لا بخلا عليه.



    فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين, الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم, اذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم, نظرا منه لهم واحسانا اليهم ولطفا بهم, ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وارادة وعملا, لكنه سبحانه تعالى تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته, أحبوا أم كرهوا, فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه, وخفى ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته, فنازعوه تدبيره, وقدحوا في حكمته, ولم ينقادوا لحكمه, وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة, فلا لربهم عرفوا, ولا لمصالحهم حصلوا, والله الموفق.



    ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها الا نعيم جنة الآخرة, فانه لا يزال راضيا عن ربه, والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين, فانه طيب النفس بما يجري عليها من المقادير التى هي عين اختيار الله له, وطمأنينته الى أحكامه الدينية, وهذا هو الرضا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا. وما ذاق طعم الايمان من لم يحصل له ذلك. وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره, فكلما كان بذلك كان به أرضى. فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة, لا يخرج عن ذلك البتة كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: " اللهم اني عبدك, ابن عبدك, ابن أمتك, ناصيتي بيدك, ماض فيّ حكمك, عدل في قضاؤك, أسألك بكل اسم هو لك, سميت به نفسك, أو أنزلته في كتابك, أو علّمته أحدا من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن ربيع قلبي, ونور صدري, وجلاء حزني, وذهاب همي وغمي, ما قالها أحد قط الا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا". قالوا: أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال: " بلى ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن.", أخرجه أحمد في المسند 1\391,452, وابن السني في عمل اليوم والليلة ص104 رقم 339,340, وغيرهم.



    والمقصود قوله "عدل فيّ قضاؤك", وهذا يتناول كل قضاء يقضيه على عبده من عقوبة أو ألم وسبب ذلك, فهو الذي قضى بالسبب وقضى بالمسبب وهو عدل في هذا القضاء. وهذا القضاء خير للمؤمن كم قال صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له, وليس ذلك الا للمؤمن." أحمد في المسند 3\117,184, عن أنس بن مالك.



    قال العلامة ابن القيم: فسألت شيخنا "الامام الجليل ابن تيميه" هل يدخل في ذلك قضاء الذنب؟ فقال: نعم بشرطه, فأجمل في لفظة "بشرطه" ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك.


    من كتاب الفوائد لابن القيم

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 2:39 pm